التعريف برسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي

الإثنين,آذار 17, 2008


بديع الزمان سعيد النورسي

  [رد شاف ومقنع على اعتراضات ترد حول التكرار في القرآن الكريم]

إخواني الأعزاء الأوفياء!

كنت أعاني من حالة مضطربة بائسة حينما تناولت هذه المسألة بالكتابة، لذا إكتنفها شيء من الغموض لكونها بقيت كما جاءت عفو الخاطر. ولكني أدركت أن تلك العبارات المشوشة تنطوي على إعجاز رائع. فيا أسفى إذ لم استطع أن أوفي حق هذا الإعجاز من الأداء والتعبير. فعبارات الرسالة مهما كانت خافتة الأنوار إلاّ أنها تعد - من حيث تعلقها بالقرآن الكريم - «عبادة فكرية» و «صَدَفَة» تضم لآلئ نفيسة سامية، فالرجاء أن تصرفوا النظر عن قشرتها وتنعمـوا النظر بما فيها من لآلئ ساطعة. فان وجدتموها جديرة حقاً فاجعلوها «المسألة العاشرة» لرسالة الثمرة، وإلاّ فاقبلوها رسالة جوابية عن تهانيكم.

ولقد إضطررت إلى كتابتها في غاية الإجمال والإقتضاب، لما كنت أكابد من سوء التغذية وأوجاع الأمراض، حتى أنني أدرجت في جملة واحدة منها حقائق وحججاً غزيرة، وأتممتها - بفضل الله - في يومين من أيام شهر رمضان المبارك فأرجو المعذرة عما بدر مني من تقصير ([1]).

إخوتي الأوفياء الصادقين!

حينما كنت أتلو القرآن - المعجز البيان - في الشهر المبارك رمضان، تدبّرت في معاني الآيات الثلاث والثلاثين - التي وردت إشاراتُها إلى «رسائل النور» في «الشعاع الأول» - فرأيت أن كل آية منها - بل آيات تلك الصفحة في المصحف وموضوعها - كأنها تطل على «رسائل النور» وطلابها من جهة نيلهم غيضاً من فيضها وحظاً من معانيها - لاسيما آية النور «في سورة النور» فهي تشير بالأصابع العشر إلى «رسائل النور»، كما أن الآيات التي تعقبها - وهي آية الظلمات - تطل على معارضي الرسائل وأعدائها بل تعطيهم حصة كبرى، إذ لا يخفى أن مقام تلك الآيات وأبعادها ومراميها غير قاصرة على زمان ومكان معينين بل تشمل الأزمنة والأمكنة جميعها، أي تخرج من جزئية الأمكنة والأزمنة إلى كلّيتهما الشاملة، لذا شعرت أن «رسائل النور» وطلابها إنما يمثلون في عصرنا هذا - حق التمثيل - فرداً واحداً من أفراد تلك الكلية الشاملة.

إنَّ خطاب القرآن الكريم قد إكتسب الصفة الكلية والسعة المطلقة والرفعة السامية والإحاطة الشاملة؛ لصدوره مباشرة من المقام الواسع المطلق للربوبية العامة الشاملة للمتكلم الأزلي سبحانه.. ويكتسبها من المقام الواسع العظيم لمن أُنـزل عليه هذا الكتاب، ذلكم النبي الكريم r الممثل للنوع البشري والمخاطب باسم الإنسانية قاطبة، بل باسم الكائنات جميعاً.. ويكتسبها أيضاً من توجه الخطاب إلى المقام الواسع الفسيح لطبقات البشرية كافة وللعصور كافة.. ويكتسبها أيضاً من المقام الرفيع المحيط النابع من البيان الشافي لقوانين الله سبحانه المتعلقة بالدنيا والآخرة،بالأرض والسماء، بالأزل والأبد، تلك القوانين التي تخص ربوبيته وتشمل أمور المخلوقات كافة.

فهذا الخطاب الجليل الذي إكتسب من السعة والسمو والإحاطة والشمول ما إكتسب، يبرز إعجازاً رائعاً وإحاطة شاملة، بحيث:

إنَّ مراتبه الفطرية والظاهرية التي تلاطف أفهام العوام البسيطة - وهم معظم المخاطبين - تمنح في الوقت نفسه حصة وافرة لأعلى المستويات الفكرية ولأرقى الطبقات العقلية، فلا يهب لمخاطبيه شيئاً من إرشاداته وحدها، ولا يخصهم بعبرة من حكاية تاريخية فقط، بل يخاطب مع ذلك كل طبقة في كل عصر - لكونها فرداً من أفراد دستور كلي - خطاباً ندياً طرياً جديداً كأنه الآن ينـزل عليهم.

ولاسيما كثرة تكراره: «الظالمين... الظالمين..» وزجره العنيف لهم وإنذاره الرهيب من نـزول مصائب سماوية وأرضية بذنوبهم ومظالمهم، فيلفت الأنظار - بهذا التكرار - إلى مظالم لا نظير لها في هذا العصر، بعرضه أنواعاً من العذاب والمصائب النازلة على قوم عاد وثمود وفرعون. وفي الوقت نفسه يبعث السلوان والطمأنينة إلى قلوب المؤمنين المظلومين، بذكره نجاة رسل كرام أمثال إبراهيم وموسى عليهما السلام.

ثم إن هذا القرآن العظيم يرشد كل طبقة من كل عصر إرشاداً واضحاً بإعجاز رائع مبيناً:

إن «الأزمنة الغابرة» والعصور المندثرة التي هي في نظر الغافلين الضالين وادٍ من عدمٍ سحيق موحش رهيب، ومقبرة مندرسة أليمة كئيبة، يعرضها صحيفة حية تطفح عبراً ودروساً، وعالماً عجيباً ينبض بالحياة ويتدفق بالحيوية من أقصاه إلى أقصاه، ومملكة ربانية ترتبط معنا بوشائج وأواصر فيبينها - بإعجازه البديع - واضحة جليلة كأنها مشهودة تعرض أمامنا على شاشة، فتارة يأتي بتلك العصور ماثلة شاخصة أمامنا، وتارة يأخذنا إلى تلك العصور.

ويبين بالإعجاز نفسه «الكون» الذي يراه الغافلون فضاء موحشاً بلا نهاية، وجمادات مضطربة بلا روح تتدحرج في دوامة الفراق والآلام، يبينه القرآن: كتاباً بليغاً، كتبه الأحد الصمد، ومدينة منسقة عمرها الرحمن الرحيم، ومعرضاً بديعاً أقامه الرب الكريم لإشهار مصنوعاته. فيبعث بهذا البيان حياة في تلك الجمادات ، ويجعل بعضها يسعى لإمداد الآخر، وكل جزء يغيث الآخر ويعينه، كأنه يحاوره محاورة ودية صميمة، فكل شيء مسخر وكل شيء أنيط به وظيفة وواجب.. وهكذا يلقي القرآن دروس الحكمة الحقيقية والعلم المنور إلى الإنس والجن والملائكة كافة. فلا ريب أنَّ هذا القرآن العظيم - الذي له هذا الإعجاز في البيان - قمين بأن يحوز خواص راقية عالية، وميزات مقدسة سامية، أمثال:

في كل حرف منه عشر حسنات، بل ألف حسنة أحياناً، بل ألوف الحسنات في أحيان أخرى.. وعجز الجن والأنس عن الإتيان بمثله ولو إجتمعوا له.. ومخاطبته بني آدم جميعهم بل الكائنات برمتها مخاطبة بليغة حكيمة.. وحرص الملايين من الناس في كل عصر على حفظه عن ظهر قلب بشوق ومتعة.. وعدم السأم من تلاوته الكثيرة رغم تكراراته.. وإستقراره التام في أذهان الصغار اللطيفة البسيطة مع كثرة ما فيه من جملٍ ومواضع تلتبس عليهم.. وتلذذ المرضى والمحتضرين - الذين يتألمون حتى  من أدنى كلام - بسماعه، وجريانه في أسماعهم عذباً طيباً.. وغيرها من الخواص السامية والمزايا المقدسة التي يحوزها القرآن الكريم، فيمنح قرّاءه وتلاميذه أنواعاً من سعادة الدارين.

ويظهر إعجازه الجميل أيضاً في «أسلوب إرشاده البليغ» حيث راعى أحسن الرعاية أُمية مبلغه الكريم r باحتفاظه التام على سلاسته الفطرية، فهو أجلّ من أن يدنو منه تكلف أو تصنع أو رياء - مهما كان نوعه - فجاء أسلوبه مُستساغاً لدى العوام الذين هم أكثرية المخاطبين مُلاطفاً بساطة أذهانهم بتنـزلاته الكلامية القريبة من أفهامهم.. باسطاً أمامهم صحائف ظاهرة ظهوراً بديهياً كالسماوات والأرض.. موجَّهاً الأنظار إلى معجزات القدرة الإلهية وسطور حكمته البالغة المضمرتين تحت العاديات من الأمور والأشياء.

ثم إن القرآن الكريم يظهر نوعاً من إعجازه البديع أيضاً في «تكراره البليغ» لجملة واحدة، أو لقصة واحدة، وذلك عند إرشاده طبقات متباينة من المخاطبين إلى معانٍ عدة، وعِبر كثيرة في تلك الآية أو القصة، فاقتضى التكرار حيث أنه: كتاب دعاء ودعوة كما انه كتاب ذكر وتوحيد، وكل من هذا يقتضي التكرار، فكل ما كرر في القرآن الكريم إذن من آية أو قصة إنما تشتمل على معنى جديد وعِبرة جديدة.

ويظهر إعجازه أيضاً عند تناوله «حوادث جزئية» وقعت في حياة الصحابة الكرام أثناء نـزوله وإرسائه بناء الإسلام وقواعد الشريعة فتراه يأخذ تلك الحوادث بنظر الاهتمام البالغ، مبيناً بها: أن أدق الأمور لأصغر الحوداث جزئية إنما هي تحت نظر رحمته سبحانه، وضمن دائرة تدبيره وإرادته، فضلاً عن انه يظهر بها سنناً إلهية جارية في الكون ودساتير كلية شاملة. زد على ذلك أن تلك الحوادث - التي هي بمثابة النويات عند تأسيس الإسلام والشريعة ستثمر فيما يأتي من الأزمان ثماراً يانعة من الأحكام والفوائد.

إنَّ تكرر الحاجة يستلزم التكرار، هذه قاعدة ثابتة، لذا فقد أجاب القرآن الكريم عن أسئلة مكررة كثيرة خلال عشرين سنة فارشد بإجاباته المكررة طبقات كثيرة متباينة من المخاطبين. فهو يكرر جملاً تملك ألوف النتائج، ويكرر إرشادات هي نتيجة لأدلة لا حد لها، وذلك عند ترسيخه في الأذهان وتقريره في القلوب ما سيحدث من إنقلاب عظيم وتبدل رهيب في العالم وما سيصيبه من دمار وتفتت الأجزاء، وما سيعقبه من بناء الآخرة الخالدة الرائعة بدلاً من هذا العالم الفاني.

ثم انه يكرر تلك الجمل والآيات أيضاً عند إثباته: أن جميع الجزئيات والكليات إبتداءً من الذرات إلى النجوم إنما هي في قبضة واحد أحد سبحانه وضمن تصرفه جل شأنه.

ويكررها أيضاً عند بيانه الغضب الإلهي والسخط الرباني على الإنسان المرتكب للمظالم عند خرقه الغاية من الخلق، تلك المظالم التي تثير هيجان الكائنات والأرض والسماء والعناصر وتؤجج غضبها على مقترفيها.

لذا فان تكرار تلك الجمل والآيات عند بيان أمثال هذه الأمور العظيمة الهائلة لا يعد نقصاً في البلاغة قط، بل هو إعجاز في غاية الروعة والإبداع، وبلاغة في غاية العلو والرفعة، وجزالة - بل فصاحة - مطابقة تطابقاً تاماً لمقتضى الحال، فعلى سبيل المثال:

* إن جملة )بِسْمِ الله الرَّحْمنِ  الرَّحيمِ( هي آية واحدة تتكرر مائة وأربع عشرة مرة في القرآن الكريم ذلك لأنها حقيقة كبرى تملأ الكون نوراً وضياء وتشد الفرش بالعرش برباط وثيق - كما بيناها في «اللمعة الرابعة عشرة» - فما من أحدٍ إلاّ وهو بحاجة مسيسة إلى هذه الحقيقة في كل حين، فلو تكررت هذه الحقيقة العظمى ملايين المرات، فالحاجة ما زالت قائمة باقية لا ترتوي. إذ ليست هي حاجة يومية كالخبز، بل هي أيضاً كالهواء والضياء الذي يُضطر إليه ويشتاق كل دقيقة.

وان الآية الكريمة )وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ( تتكرر ثماني مرات في سورة «الشعراء». فتكرار هذه الآية العظيمة التي تنطوي على ألوف الحقائق في سورة تذكُر نجاة الأنبياء عليهم السلام وعذاب أقوامهم، إنما هو لبيان:

إنَّ مظالم أقوامهم تمس الغاية من الخلق، وتتعرض إلى عظمة الربوبية المطلقة، فتقتضي العزة الربانية عذابَ تلك الأقوام الظالمة مثلما تقتضي الرحمة الإلهية نجاة الأنبياء عليهم السلام. فلو تكررت هذه الآية ألوف المرات لما انقضت الحاجة والشوق إليها، فالتكرار هنا بلاغة راقية ذات إعجاز وإيجاز.

وكذلك الآية الكريمة:)فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(المكررة في سورة «الرحمن» والآية الكريمة:)وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ(المكررة في سورة «المرسلات» تصرخ كل منهما في وجه العصور قاطبة وتعلن إعلاناً صريحاً في أقطار السماوات والأرض: أن كفر الجن والأنس وجحودهم بالنعم الإلهية، ومظالمهم الشنيعة، يثير غضب الكائنات ويجعل الأرض والسماوات في حنقٍ وغيظ عليهم... ويخل بحكمة خلق العالم والقصد منه.. ويتجاوز حقوق المخلوقات كافة ويتعدى عليها.. ويستخف بعظمة الألوهية وينكرها، لذا فهاتان الآيتان ترتبطان بألوف من أمثال هذه الحقائق، ولهما من الأهمية ما لألوف المسائل وقوتها، لو تكررتا ألوف المرات في خطاب عام موجه إلى الجن والإنس لكانت الضرورة قائمة بعد، والحاجة إليها ما زالت موجودة باقية. فالتكرار هنا بلاغة موجزة جليلة ومعجزة جميلة.

(ومثال آخر نسوقه حول حكمة التكرار في الحديث النبوي  ) فالمناجاة النبوية المسماة بــ«الجوشن الكبير» مناجاة رائعة مطابقة لحقيقة القرآن الكريم ونموذج مستخلص منه. نرى فيها جملة: «سبحانك يا لا إله إلاّ أنت الأمان الأمان خلصنا من النار.. أجرنا من النار.. نجّنا من النار»، هذه الجمل تتكرر مائة مرة، فلو تكررت ألوف المرات لما ولدت السأم، إذ أنها تنطوي على أجل حقيقة في الكون وهي التوحيد. وأجل وظيفة للمخلوقات تجاه ربهم الجليل وهي التسبيح والتحميد والتقديس، وأعظم قضية مصيرية للبشرية وهي النجاة من النار والخلاص من الشقاء الخالد. وألزم غاية للعبودية وللعجز البشري وهي الدعاء.

وهكذا نرى أمثال هذه الأسس فيما تشتمل عليه أنواع التكرار في القرآن الكريم. حتى نرى أنه يعبر أكثر من عشرين مرة عن حقيقة التوحيد - صراحةً أو ضمناً - في صحيفة واحدة من المصحف وذلك حسب إقتضاء المقام، ولزوم الحاجة إلى الإفهام، وبلاغة البيان، فيهيج بالتكرار الشوق إلى تكرار التلاوة، ويمدُّ به البلاغة قوةً وسموَّاً من دون أن يورث سأماً أو مللاً.

ولقد أوضحت أجزاء «رسائل النور» حكمة التكرار في القرآن الكريم وبينت حججها وأثبتت مدى ملاءمة التكرار وانسجامه مع البلاغة، ومدى حسنه وجماله الرائع.

أما حكمة اختلاف السور المكية عن المدنية من حيث البلاغة، ومن جهة الإعجاز ومن حيث التفصيل والإجمال فهي كما يأتي:

إنَّ الصف الأول من المخاطبين والمعارضين في مكة كانوا مشركي قريش وهم أميون لا كتاب لهم، فاقتضت البلاغة أسلوباً عالياً قوياً وإجمالاً معجزاً مقنعاً، وتكراراً يستلزمه التثبيت في الإفهام؛ لذا بحثت أغلب السور المكية أركان الإيمان ومراتب التوحيد بأسلوب في غاية القوة والعلو، وبإيجاز في غاية الإعجاز، وكررت الإيمان باللّّه والمبدأ والمعاد والآخرة كثيراً، بل قد عبرت عن تلك الأركان الإيمانية في كل صحيفة أو آية، أو في جملة واحدة، أو كلمة واحدة، بل ربما عبرت عنها في حرف واحد، في تقديم وتأخير، في تعريف وتنكير، في حذف وذكر. فأثبتت أركان الإيمان في أمثال تلك الحالات والهيئات البلاغية إثباتاً جعل علماء البلاغة وأئمتها يقفون حيارى مبهوتين أمام هذا الأسلوب المعجز. ولقد وضّحت «رسائل النور» ولاسيما «الكلمة الخامسة والعشرون (المعجزات القرآنية) مع ذيولها» إعجاز القرآن في أربعين وجهاً من وجوهها، وكذلك تفسير «إشارات الإعجاز في مِظان الإيجاز» باللغة العربية الذي يبين بياناً رائعاً إعجاز القرآن من حيث وجه النظم بين الآيات الكريمة. فأثبتت كلتا الرسالتين فعلاً علو الأسلوب البلاغي الفذ وسموِّ الإيجاز المعجِز.

أما الآيات المدنية وسورها فالصف الأول من مخاطبيها ومعارضيها كانوا من اليهود والنصارى وهم أهل كتاب مؤمنون باللّه. فاقتضت قواعد البلاغة وأساليب الإرشاد وأسس التبليغ أن يكون الخطاب الموجه لأهل الكتاب مطابقاً لواقع حالهم، فجاء بأسلوب سهل واضح سَلس، مع بيان وتوضيح في الجزئيات - دون الأصول والأركان (الإيمانية) - لأن تلك الجزئيات هي منشأ الأحكام الفرعية والقوانين الكلية، ومدار الإختلافات في الشرائع والأحكام. لذا فغالباً ما نجد الآيات المدنية واضحة سَلسة بأسلوب بياني معجز خاص بالقرآن الكريم. ولكن ذكر القرآن فذلكة قوية أو نتيجة ملخصة أو خاتمة رصينة أو حجة دامغة تعقيباً على حادثة جزئية فرعية، يجعل تلك الحادثة الجزئية قاعدة كلية عامة، ومن بعد ذلك يضمن الإمتثال بها بترسيخ الإيمان بالله الذي يحققه ذكر تلك الفواصل الختامية الملخصة للتوحيد والإيمان والآخرة. فترى أن ذلك المقام الواضح السلس يتنور ويسمو بتلك الفواصل الختامية. (ولقد بينت «رسائل النور» وأثبتت حتى للمعاندين مدى البلاغة العالية والميزات الراقية وأنواع الجزالة السامية الدقيقة الرفيعة في تلك الفذلكات والفواصل وذلك في عشر مميزات ونكت في النور الثاني من الشعلة الثانية للكلمة الخامسة والعشرين الخاصة بإعجاز القرآن). فان شئت فانظر إلى ) إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(،) أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( ،) وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (، )وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ( وأمثالها من الآيات التي تفيد التوحيد وتذكِّر بالآخرة، والتي تنتهي بها أغلب الآيات الكريمة، ترَ أن القرآن الكريم عند بيانه الأحكام الشرعية الفرعية والقوانين الإجتماعية يرفع نظر المخاطب إلى آفاق كلية سامية، فيبدل - بهذه الفواصل الختامية - ذلك الأسلوب السهل الواضح السلس أسلوباً عالياً رفيعاً، كأنه ينقل القارئ من درس الشريعة إلى درس التوحيد. فيثبت أن القرآن: كتاب شريعة وأحكام وحكمة، كما هو كتاب عقيدة وإيمان، وهو كتاب ذكر وفكر، كما هو كتاب دعاء ودعوة.

وهكذا ترى أن هناك نمطاً من جزالة معجزة ساطعة في الآيات المدنية هو غير بلاغة الآيات المكية، حسب إختلاف المقام وتنوع مقاصد الإرشاد والتبليغ.

فقد ترى هذا النمط في كلمتين فقط: (ربك) و (رب العالمين) إذ يعلّم الأحدية بتعبير (ربك) ويعلّم الواحدية بـ (رب العالمين)، علما أن الواحدية تتضمن الأحدية.

بل قد ترى ذلك النمط من البلاغة في جملة واحدة فيريك في آية واحدة مثلا نفوذ علمه إلى موضع الذرة في بؤبؤ العين وموقع الشمس في كبد السماء، وإحاطة قدرته التي تضع بالآلة الواحدة كلاً في مكانه، جاعلة من الشمس كأنها عين السماء فيعقب )وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(  بعد آية )يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ( (الحديد:6) أي يعقب نفوذ علمه سبحانه إلى خفايا الصدور بعد ذكره عظمة الخلق في السماوات والأرض وبسطها أمام الأنظار. فيقر في الأذهان أنه يعلم خواطر القلوب وخوافي شؤونها ضمن جلال خلاقيته للسماوات والأرض وتدبيره لشؤونها. فهذا التعقيب:)وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(  لون من البيان يحوِّل ذلك الأسلوب السهل الواضح  الفطري - القريب إلى إفهام العوام - إلى إرشاد سامٍ وتبليغ عام جذاب.