بديع الزمان سعيد النورسي
إن العالم الإسلامي في نظري كمجلس النواب (البرلمان) غير المنتظم أو كمجلس الشورى اختل نظامه، وما نسمعه في الفقه بأن: »هذا هو رأي الجمهور، وعليه الفتوى« إنما هو نظير رأى الأكثرية في ذلك المجلس. وما عدا رأى الجمهور من الأقوال إن لم تكن خالية من الحقيقة والجوهر واللب، تفوّض إلى رأي صاحب القابليات والمواهب والاستعدادات لينتخب كلُّ استعدادٍ وموهبة ما يناسب تربيته وينسجم معها. وهاهنا نقطتان مهمتان ([1]).
الأولى: إن» القول« الذي أُنتخب بميل هذا الاستعداد، والذي يتضمن الحقيقة - إلى حدّ ما - وظلَّ في الأقلية، مقيّد في نفس الأمر، ومخصَّص بالاستعداد الذي انتخبه، إلاّ أن صاحبه أهمله فتركَهُ مطلقاً، والتزمه متبعوه فجعلوهُ عاماً، وتعصّب له مقلّدوه وسعوا في هدم المخالفين حفاظاً عليه.. من هذه النقطة تولدت المصادمة والمشاجرة والجرح والردّ حتى تشكل من الغبار المثار من تحت أرجلهم ومن الأبخرة المتصاعدة من أفواههم ومن البروق المنطلقة من ألسنتهم -سحاباً ذا بروق وذا رحمة أحياناً- فولّد حجاباً أمام شمس الإسلام الساطعة، ولكن ذلك السحاب المبشّر بالرحمة الواهب للاستعداد والقابلية من فيض نور الشمس، مثلما لم يُنزل الغيث.. فقد حجب النور أيضاً...
الثاني: إن القول الذي ظل في الأقلية، إن لم يغلبْ ما فيه من الحقيقة والجوهر على ما في الاستعدادات المنتخبة له، من هَوَسٍ وهوى أو تدين موروث ومزاج. فانه -أي ذلك القول- يبقى على خطر عظيم، لأنه بدلاً من أن ينصبغ الاستعداد به وينقلب إلى ما يقتضيه، يصرفه لنفسه ويلقحه ويسخّره لأمره.
وها هنا يتحول الهُدى إلى الهوى، ويتشرب المذهب من المزاج. إن النحل يشرب الماء فيقطّر عسلاً، بينما الحية تشربه وتنفث سمّاً.
كتبها حازم في 11:22 صباحاً ::
