التعريف برسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي

الجمعة,أيار 16, 2008


recept

رجب طيب أردوغان

فكما هو معلوم أن لعالم الاسلام تاريخ فكري غني، هو بمثابة خزينة تنتظر لحد الآن من يكتشفها. ولم تنقطع سلسلة الفكر في التاريخ الاسلامي في اي وقت من الأوقات كما يظن ويدعي بعض الأوروبيين. ومنذ العهد الأول وإلى يومنا الحاضر قد ظهرت سمات بارزة، وعلماء أفذاذ، وفلاسفة دهاة، وعلماء الكلام، والمتصوفة والحقوقيون آثاراً وكتباً تفضي الغنى على ثقافة التاريخ العالمي.

ولا شك ان الاستاذ بديع الزمان سعيد النورسي الذي تركنا قبل خمس وثلاثين سنة ملتحقاً بالرفيق الأعلى هو حلقة مهمة من حلقات هذه السلسلة الفكرية الممتدة الغنية،  وقد ولد الاستاذ النورسي في هذه البقاع وترعرع فيها وقدم فيها عطاءه الفكري من خلال مؤلفاته إلا أنه لم يتمكن  انسان هذه البيئة - مع الاسف الشديد- الاستفادة بحق من هذا الصفي المختار .

وقد فتح الاستاذ النورسي عينه في عالم ويا له من عالم مضطرب انقلب فيه كل شئ على عقبه، حيث كان تاريخنا المجيد يعيش آنذاك مأزقاً وانعطافاً حاداً للغاية، وكانت الهزائم العسكرية التي بدأت مسبقاً تستمر يوماً بعد يوم، وكان مركز الخلافة يتزعزع من اساسه، وقد وقعت اكثرية بقاع العالم الاسلامي تحت الاحتلال الاستعماري.

فتلك المرحلة كانت من جهة مرحلة مضطربة مليئة بسوء الحظ لتفاقم الانحطاط العسكري والسياسي بالنسبة للعالم الاسلامي. وعند القائنا نظرة على الحياة الفكرية للعالم الاسلامي في هذه المرحلة نرى غالبية المثقفين بل يكاد يكون كلهم قد دخلوا ضمن مجال التأثر الأوروبي، وقد وقف المثقفون والسياسيون المتميزون تجاه تاريخهم ودينهم، والقيم الاصلية التي مجدتهم سابقاً، وفقدوا ثقتهم بأنفسهم، وخرجت قيادة المجتمع من أيدي العلماء، ودخلت في يد المستغربين المتميزين.

فبلغ الصراع والإنقسام القومي والشعبي في العالم الإسلامي إلى اقصى درجة. وقد جال وصال جواسيس الغرب في كل بقعة من البقاع الاسلامية كيفما شاؤوا، ليبثوا الفساد والفتن بين المسلمين، وكان العالم الاسلامي والدولة العثمانية محاصراً ، ضرب عليه خناق الفقر والذل والعجز.

فكان الاستاذ النورسي الرجل المتألم بآلام هذا العالم العصيب... وله خاصة متميزة اخرى، الا وهي أنه قد عاش دور المشروطية، ودور الحزب الواحد، ودور تعدد الأحزاب، فمثل هذه التجارب المحزنة  الغنية بالعبر والعظات قد صاغت الاستاذ النورسي صياغة فريدة ودفعته نحو الكمال والتنقيب عن مختلف الحلول الجديدة.

وكما نعلم ان الاستاذ النورسي قد سلك في المراحل الأولى من حياته درب السياسة ضمن مقاييس معروفة، عاقداً عليها الآمال الكبيرة، وكان يربط بعض الأحيان آماله هذه بالقصر والسلطان والإداريين.

وكان يقابل السلطان ويقدم له الإقتراحات لأجل جمع شمل الدولة العثمانية، إلا أنه قد رأى فيما بعد أن الإنحطاط قد ضرب اطنابها في الأعماق، لذا كثّف مساعيه في مجالات أخرى، مجالات اعمق وأغور. وكان يعلم جيداً، أن مثقفي الدولة العثمانية، والطبقة المتميزة قد فقدوا ايمانهم، وانبهروا بمن غلب عليهم من الاعداء، وانجذبوا اليهم ، ظانين أن طريق الخلاص في تقلديهم ومسايرتهم.

وبعد أن ثبت لدى الاستاذ النورسي صحة هذا التشخيص الصائب، توجه الى “الايمان” كمفهوم منقذ وقدّم له تعريفاً جديداً.

فالإيمان بالنسبة إليه اكبر مصدر لتحقيق قوة العالم الإسلامي، وشحنه بالطاقة اللازمة. ولئن نجا المسلمون والعالم الاسلامي، فلاشك يكون ذلك ممكناً بقوة الايمان واستيلائه على الأرواح من جديد.

ولم يهوّن بديع الزمان سعيد النورسي من شأن السياسة، حتى أن الفكرة التي ترى أنه قد رأى السياسة ضارةً غير صحيحة على التأكيد، لإنه قد رأى محقاً أن العالم الاسلامي في حاجة لحملة جديدة حديثة، تستمد قوتها وطاقتها من الإيمان والفكر والعلم. ومن جانب آخر أنه قد نظر إلى الحياة السياسية في تلك الأيام ورأى أنها لا تراعي اية قيمة اخلاقية كانت، بل تحولت إلى دهماوية وثرثرة وخداع واغتنام فرص منفعية لا غير، وقال أن مثل هذه السياسة لا تليق بالانسان المسلم، وهذا مما لا يعترض عليه أحدٌ من الناس.

وهناك خاصية أخرى للاستاذ النورسي ينبغي الوقوف عليها، ألا وهي التوافق الموجود بين فكره وحياته إلى آخر نفس من انفاسه، فالحق أنه قد عاش مثلما فكّر وبما آمن به، ولم يخضع رأسه في وقت من الأوقات لأحد، ولم يتنازل قيد شعرة، ولم يخش احداً الاّ الله، فمضت حياته في السجون والمعتقلات والمنافي، ونجاه الله مرات ومرات من حافة الموت، ولكنه لم يخضع الرأس أبداً، فلا شك أنه قدوة للناس كافة من هذه الناحية.