بقلم الاستاذ عبدالله محمود الطنطاوي 
الشيخ المجاهد العالم العامل بديع الزمان النورسي، هو من هو علماً ومكانة في تاريخ تركيا الحديثة التي شهدت وما تزال تشهد تطورات خطيرة منذ بداية القرن العشرين، وما تزال آثاره حتى الآن يتفاعل بها المجتمع التركي المعاصر، الذي يلقى الألاقي في عهود العلمانية والعلمانيين الذين انسلخوا من دينهم، وحاربوا شعوبهم في عقيدتهم وقيمهم وأخلاقهم.
المولد:
ولد سعيد النورسي الملقب بـ (بديع الزمان) في قرية (نُوْرس) الواقعة شرقي الأناضول في تركيا عام (1294 هـ - 1877م) من أبوين صالحين كانا مضرب المثل في التقوى والورع والصلاح، ونشأ في بيئة كردية يخيم عليها الجهل والفقر، كأكثر بلاد المسلمين في أواخر القرن الماضي، وبدايات هذا القرن. وإلى قريته (نُوْرس) يُنْسَب.
علمه:
وقد بدت عليه أمارات الفطنة والذكاء منذ طفولته، ولمّا دخل (الكُتّاب) وتتلمذ على أيدي المشايخ والعلماء بهرهم بقوة ذاكرته، وبداهته، وذكائه، ودقّة ملاحظته، وقدرته على الاستيعاب والحفظ، الأمر الذي جعله ينال الإجازة العلمية وهو ابن أربع عشرة سنة بعد أن تبحّر في العلوم العقلية والنقلية بجهده الشخصي، فقد حفظ عن ظهرغيب، ثمانين كتاباً من أمّات الكتب العربية كما حفظ القرآن الكريم في وقت مبكر من حياته الخصبة الحافلة.
كما عكف على دراسة العلوم العصرية، أو العلوم الكونية الطبيعية، (رياضيات، وفلك، وكيمياء، وفيزياء، وجيولوجيا) والجغرافيا والتاريخ والفلسفة الحديثة وسواها من العلوم، حتى غدا عالماً فيها، ومناظراً فذّاً للمختصين بها، وصار له رصيد ضخم من المعلومات، مكّنه من الانطلاق من مرتكزات علمية سليمة.
كان طالب العلم سعيد النورسي شديد الاحتفال والاشتغال والتعلّق بالفلسفة والعلوم العقلية، وكان لا يقنع ولا يكتفي بالحركة القلبية وحدها، كأكثر أهل الطرق الصُّوفية، بل كان يجهد لإنقاذ عقله وفكره من بعض الأسقام التي أورثتها إياه مداومة النظر في كتب الفلاسفة.
مع القرآن الكريم:
في عام 1894 تناهى إلى سمعه أن وزير المستعمرات البريطاني (غلادستون) وقف في مجلس العموم البريطاني، وهو يحمل المصحف الشريف بيده، ويهزّه في وجوه النواب الإنكليز، ويقول لهم بأعلى صوته:
"مادام هذا الكتاب موجوداً، فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان. لذا، لا بدّ لنا من أن نعمل على إزالته من الوجود، أو نقطع صلة المسلمين به".
فصرخ العالم الشاب سعيد النورسي من أعماقه:
"لأبرهننّ للعالم أجمع، بأن القرآن العظيم شمس معنوية لا يخبو سناها، ولا يمكن إطفاء نورها".
رؤيا صادقة:
ورأى النّورسيُّ رسولّ الله صلى الله عليه وسلم في الحلم، وسأله أن يدعو الله له: أن يفهّمه القرآن، ويرزقه العمل به، فبشّره الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- بذلك، قائلاً له:
"سيوهب لك علم القرآن، شريطة ألا تسأل أحداً شيئاً".
وأفاق النورسيُّ من نومه، وكأنما حيزت له الدنيا .. بل.. أين هو من الدنيا، وأين الدنيا منه.. أفاق وكأنما حيز له علم القرآن وفهمه، فقد آلى على نفسه ألا يسأل أحداً شيئاً، استجابة لشرط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وهبه الله ما تمنَّى، وصار القرآن أستاذه ومرشده وهاديه في الدياجير التي اكتنفت تركيا الكمالية.
بديع الزمان في مهبّ الأعاصير:
نستطيع تمييز مرحلتين في حياة الإمام سعيد النورسيّ:
الأولى: مرحلة سعيد القديم، وتبدأ من مولده حتى نفيه إلى بلدة (بارلا) عام 1926 و هذه المرحلة هي مرحلة الإعداد الذاتي لنفسه، ومرحلة العمل الفردي، وخوض المعارك السياسية، مدافعاً عن الخلافة، وعن القرآن والإسلام، مهاجماً أعداء الإسلام وأعداء الخلافة والقرآن.
- وفي هذه المرحلة سافر إلى إستانبول عام 1896 ليقدم مشروعاً لإنشاء - جامعة إسلامية حديثة في شرقي الأناضول - بلاد الأكراد - وأطلق عليها اسم (مدرسة الزهراء) لتكون على منوال (الأزهر) في مصر، غير أنها تختلف عن الأزهر بتدريس العلوم الحديثة إلى جانب العلوم الشرعية والعربية، وذلك من أجل النهوض بالأكراد المسلمين المهملين الذين يفتك بهم الجهل والفقر والتخلف. ولكنّ النورسي لم يلق قبولاً من السلطان عبد الحميد ومن وزير داخليته.
- وفي عام 1907 سافر مرة أخرى إلى إستانبول، للغرض ذاته، وقابل السلطان عبد الحميد، وانتقد الاستبداد ونظام الأمن واستخبارات القصر (يلدز) فأثار عليه حاشية السلطان، وأحالوه إلى محكمة عسكرية.
وكان النورسيّ في منتهى الشجاعة في التعبير عن رأيه أمام القضاة العسكريين، الأمر الذي جعل رئيس المحكمة يحيله إلى الأطباء النفسانيين، للتأكد من سلامة قواه العقلية، وكانت لجنة الأطباء المؤلفة من طبيب تركي، وآخر أرمني، وثالث رومي ومن طبيبين يهوديين (!!!) قررت وضعه في مستشفى (طوب طاش) للمجانين) (!!!).
وعندما حضر طبيب نفساني إلى المستشفى، لفحص قواه العقلية، بادره النورسيّ بحديث رائع عميق يأخذ بالألباب، فما كان من الطبيب إلا أن يكتب في تقريره:
"لو كانت هناك ذرّة واحدة من الجنون عند بديع الزمان، لما وُجد عاقل واحد على وجه الأرض".
مع وزير الداخلية:
ثم أحيل النّورسيّ إلى وزارة الداخلية، وكان الحوار التالي بينه وبين وزير الداخلية الذي حسب أن النورسي كسائر من عرف يمكن شراؤه بثمن بخس، فلطالما اشترى الوزراء علماء بدراهم معدودة، فكان الوزراء والعلماء السائرون في ركابهم، كارثة على الشعوب والمبادئ والقيم.
قال له الوزير في فرح وطمأنينة: إن السلطان يخصك بالسلام مع مرتب بمبلغ ألف قرش وعندما تعود إلى بلدك سيجعل مرتبك ثلاثين ليرة كما أرسل لك ثمانين ليرة هدية سلطانية لك.
قال بديع الزمان في شموخ: لم أكن أبداً متسول مرتب، ولن أقبله ولو كان ألف ليرة لأنني لم آت لغرض شخصي، وإنما لمصلحة البلد، فما تعرضونه عليّ ليس سوى رشوة السكوت.
قال الوزير مهدداً: إنك بهذا تردّ الإرادة السلطانية، والإرادة السلطانية لا تردّ.
أجابه بديع الزمان بتحد: إنني أردّها، لكي يستاء السلطان ويستدعيني عند ذلك أستطع أن أقول له قولة الحق.
قال الوزير متوعداً: إن العاقبة ستكون غير سارة.
قال بديع الزمان في استهانة: تعددت الأسباب والموت واحد، فإن أعدم فسوف أرقد في قلب الأمة، علماً بأنني عندما جئت إلى إستانبول كنت واضعاً روحي على كفي.. اعملوا ما شئتم، فإني أعني ما أقول: إنني أريد أن أوقظ أبناء الأمة، ولا أقوم بهذا العمل إلا لأنني فرد من هذا البلد، لا لأقتطف من ورائه مرتباً، لأن خدمة رجل مثلي للدولة لا تكون إلا بإسداء النصائح، وهذه لا تتم إلا بحسن تأثيرها، وهذا لا يتم إلا بترك المصالح الشخصية فإنني معذور إذن عندما أرفض المرتب.
ذعر الوزير من كلام الشيخ، ومن صرامة موقفه، فقال له لين: إن ما ترمي إليه من نشر المعارف في بلدك هو موضع دراسة في مجلس الوزراء حالياً.
بديع الزمان: إذن فلم يتأخر نشر المعارف، ويُستعجل في أمر المرتّب؟ لماذا تؤثرون منفعتي الشخصية على المنفعة العامة؟.
مع قره صو:
- ثم ذهب إلى (سلانيك) مقرّ يهود الدونمة ومشتقاتهم من جمعية (الاتحاد والترقي) و(الماسونية) وسواهما، والتقى عدداً من شخصيات (الاتحاد والترقي) الذين كانوا يطمعون في كسب النورسيّ العبقري إلى صفهم، وكان ممن التقاهم: (عما نوئيل قره صو) رئيس المحفل الماسوني، وعضو مجلس المبعوثان (أي النواب) العثماني، وكان قره صو يطمع في النورسيّ، ولكنّ المقابلة بينهما لم تطل، لأن قره صو فرّ هارباً من اللقاء، وهو يقول:
"كاد هذا الرجل العجيب - النّورسيّ- يدخلني في الإسلام، بحديثه".
و (قره صو) هذا هو أول صهيوني ما سوني عمل على خلع السلطان عبد الحميد وإلغاء الخلافة.
شموخ الإيمان:
- وفي هذه المرحلة اتّهم فيمن اتّهم بحادثة 31 مارت (13/ 4/ 1909) وسيق إلى المحاكمة، ورأى في الساحة خمسة عشر رجلاً معلّقين على أعواد المشانق، ظّناً من القضاة أن هذا المنظر سوف يرهبه.. قال له الحاكم العسكري خورشيد باشا:
- وأنت أيضاً تدعو إلى تطبيق الشريعة؟ إن من يطالب بها يشنق هكذا (مشيراً بيده إلى المشنوقين)..
فقام بديع الزمان س


























